فخر الدين الرازي
103
المطالب العالية من العلم الإلهي
عندنا . والحاصل لا يمكن تحصيله . وإن لم يكن لنا به شعور ، كان الذهن غافلا عنه . والغافل عن الشيء يمتنع [ أن يكون « 1 » ] طالبا له . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون ذلك الأمر ، مشعورا به من وجه دون وجه ، فلأجل أنه مشعور به من بعض الوجوه ، يمكن طلبه . ومن حيث إنه غير مشعور به من سائر الوجوه ، فإن العقل يحاول تكميل ذلك الشعور وإتمامه ، فلا جرم صح طلبه ؟ . والجواب : إن أحد الوجهين لما كان محكوما عليه بأنه مشعور به ، والوجه الثاني محكوم عليه بأنه غير مشعور به . كان أحد الوجهين مغايرا للآخر ، وإلا يصدق على الشيء الواحد ، أنه مشعور به ، غير مشعور به . وذلك محال . وإذا ثبت هذا فنقول : الوجه الذي هو مشعور به يمتنع [ كونه « 2 » ] مطلوبا . لأنه يقتضي تحصيل الحاصل . والوجه الذي هو غير مشعور به ، يمتنع طلبه . لأن ما كان الذهن غافلا [ عنه « 3 » ] يمتنع طلبه . والحاصل : أن التقسيم الذي ذكرناه أولا ، يفيد في هذين الوجهين . الثاني : إنا إذا حاولنا تعرف ماهيته . فإما أن نتعرفها من نفسها ، أو من الأمور الخارجة عنها ، أو مما يتركب من هذه الأقسام . والكل باطل ، فبطل القول بإمكان تعرف شيء من الماهيات . إنما قلنا : إنه لا يمكن تعرفها من نفسها ، لأن الوسيلة معلومة قبل المتوسل إليه . فلو كانت الوسيلة والمتوسل إليه واحدا ، لكان الشيء الواحد معلوما قبل كونه معلوما . وهو محال . وإنما قلنا : إنه لا يمكن تعرفها من الأمور الداخلة [ فيها « 4 » ] لأنا إما أن نتعرفها من بعض أجزائها ، أو من مجموع أجزائها . والأول باطل . لأن العلم ببعض أجزاء الشيء ، لا يكون علما بتمام ذلك الشيء . إلا إذا قيل : إن العلم بهذا الجزء
--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( م ، ل ) . ( 3 ) من ( ط ، ل ) . ( 4 ) من ( ط ، ل ) .